محمد عبد العزيز الخولي

271

الأدب النبوي

الخصمان للفصل بينهما . الشرح : العدل دعامة العمران وباعث الطمأنينة إلى النفوس ، به يحق الحق ويزهق الباطل ، يأمن في ظلاله الخائف ، ويرتدع من جبروته وسطوته الظالم ، ويقوي الضعيف المحق ، ويضعف القوي المبطل ، وتستنير بضوئه مسالك الحياة الوادعة « 1 » السعيدة ، ويضمحل على صخرته صخب البطش والجور . وأحرى بمن نصب للفصل بين الناس في الخصومات ، واستجلاء الحق في ثنايا الدعاوى والأباطيل ، أن يكون جد حريص على وضع الأمر في نصابه وتفرس الصواب ، من بين عريض الأقوال والمزاعم ، ولا يتحقق ذلك ، إلا بأن يكون حاضر الذهن ، واعيا لكل ما يقال بين يديه ، يزنه بميزان الصيرفي « 2 » الناقد « 3 » ، والعبقري « 4 » الحاذق ، مالكا زمام أمره ، خالي الذهن من الصوارف ، التي تحول بينه وبين ما جعل له ، رزينا لا تستفزه الأهواء ، ولا يأسر لبه الملق « 5 » والإطراء ، حليما لا تحل حبوته المكدرات ، ولا تهيج طائره « 6 » المفزعات ، فارغ النفس من الهموم والشواغل . هنالك يتحقق منه العدل ، ويرتضي الحكم ، وتخضع الهامات العاصية ، وتذل النفوس الطاغية ويمتد ظل الأمن على الناس ، وتسكن ثورة الأهواء ، ويقضي على نزوات العبث والفساد . أما إذا كان القاضي ، أو الحكم على غير ذلك اختل نظره وربما تجاوز الحق إلى الباطل في حكمه ، كأن يكون حال غضب استولى على نفسه ، وصعب عليه صرفه ومقاومته . وكان سائر ما يتعلق به القلب تعلقا يشغله عن استيفاء النظر ودقة البحث ، لاستيضاح الصواب . ولذا نهى الرسول صلى اللّه عليه وسلم في هذا الحديث أن يقضي القاضي بين الناس وهو غضبان ، وقاس العلماء على الغضب كل ما من شأنه أن يؤثر على العقل ويغير الفكر

--> ( 1 ) الوادعة : وادع فلان فلانا : تاركه . ( 2 ) الصّيرفي : الصّيرف : المتصرف في الأمور المجرب لها . ( 3 ) الناقد : الذي يميز الجيد من الرديء والصحيح من المزيف . ( 4 ) العبقري : صفة لكل ما بولغ في وصفه وما يفوقه شيء . ( 5 ) الملق : اللين من الكلام . ( 6 ) طائرة : يقال : طار طائرة : غضب وأسرع وهو ساكن ، الطائر : حليم هادىء وقور .